ابن العربي

109

أحكام القرآن

المسألة الأولى - قوله تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ . يعنى كفر ، بدليل قوله تعالى « 1 » : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ، يعنى الكفر ، فإذا كفروا في المسجد الحرام ، وعبدوا فيه الأصنام ، وعذّبوا فيه أهل الإسلام ليردّوهم عن دينهم ، فكلّ ذلك فتنة ؛ فإن الفتنة في أصل اللغة الابتلاء والاختبار ، وإنما سمّى الكفر فتنة لأنّ مآل الابتلاء كان إليه ، فلا تنكروا قتلهم وقتالهم ؛ فما فعلوا من الكفر أشدّ مما عابوه . المسألة الثانية - قوله تعالى : وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « 2 » : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه ، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلّا بحقّها ، وحسابهم على اللّه ؛ فإن لم يفعلوا قوتلوا وهم الظالمون لا عدوان إلّا عليهم . المسألة الثالثة - أن سبب القتل هو الكفر بهذه الآية ؛ لأنه تعالى قال : حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ؛ فجعل الغاية عدم الكفر نصّا ، وأبان فيها أنّ سبب القتل المبيح للقتال الكفر . وقد ضلّ أصحاب أبي حنيفة عن هذا ، وزعموا أنّ سبب القتل المبيح للقتال هي الخربة ، وتعلّقوا بقول اللّه تعالى « 3 » : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ، وهذه الآية تقضى عليها التي بعدها ؛ لأنه أمر أولا بقتال من قاتل ، ثم بيّن أن سبب قتاله وقتله كفره الباعث له على القتال ، وأمر بقتاله مطلقا من غير تخصيص بابتداء قتال منه . فإن قيل : لو كان المبيح للقتل هو الكفر لقتل كلّ كافر وأنت تترك منهم النساء والرهبان ومن تقدّم ذكره معهم . فالجواب أنّا إنما تركناهم مع قيام المبيح بهم لأجل ما عارض الأمر من منفعة أو مصلحة : أما المنفعة فالاسترقاق فيمن يسترقّ ؛ فيكون مالا وخدما ، وهي الغنيمة التي أحلّها اللّه تعالى لنا من بين الأمم . وأما المصلحة فإن في استبقاء الرهبان باعثا على تخلّى رجالهم عن القتال فيضعف حربهم ويقلّ حزبهم فينتشر الاستيلاء عليهم . المسألة الرابعة - قوله تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ إباحة لقتالهم وقتلهم

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية 191 ( 2 ) صحيح مسلم : 52 ، 53 ( 3 ) سورة البقرة ، آية 190